تجربتي في ألبانيا: هل تستحق "مالديف أوروبا" كل هذا الضجيج أم أنها مجرد فخ سياحي؟


 كانت رائحة القهوة المحروقة في مطار تيرانا هي أول ما استقبلني. بصراحة؟ كنت أتوقع سحراً فورياً، لكنني وجدت زحاماً خانقاً وسائق تاكسي يصرخ بكلمات ألبانية لم أفهم منها سوى أنني سأدفع كثيراً. هكذا بدأت رحلتي، بين حماس طفولي وشعور مفاجئ بالندم لأنني تركت سريري المريح وجئت إلى هنا.

تجربتي في ألبانيا: هل تستحق "مالديف أوروبا" كل هذا الضجيج أم أنها مجرد فخ سياحي؟

بينما كنت أجر حقيبتي في شوارع "تيرانا" المليئة بالحفر المفاجئة، كنت أسأل نفسي: لماذا ألبانيا الآن؟ الجميع يتحدث عنها. العمارة هنا غريبة، خليط بين الكآبة الشيوعية القديمة وألوان صارخة حاولوا بها تجميل المدينة. الأمر مربك بصرياً. لكن، هناك شيء ما في الهواء، ربما هي رائحة الشواء أو ضحكات الناس العالية في المقاهي، جعلتني أتوقف عن التذمر قليلاً.

المسافات هنا ليست كما تبدو على الخريطة. ظننت أن الوصول إلى الجنوب سيكون نزهة، لكن الطرق الجبلية جعلت أمعائي تلتوي. ومع ذلك، عندما تطل عليك "فلورا" من بعيد، تنسى—أو تحاول أن تنسى—أنك لعنت الساعة التي قررت فيها استئجار سيارة يدوية في بلد يعشق سائقوه تجاوز القوانين.

تكلفة السياحة في ألبانيا وكذبة "الرخص الفاحش"

يقولون إنها رخيصة. نعم، هي كذلك مقارنة بباريس، لكن لا تتوقع أن تعيش كالملوك بمليمات. في ويكيبيديا يذكرون أنها دولة نامية، وهذا ينعكس على كل شيء. دفعت في وجبة غداء بسيطة في "ساراندو" مبلغاً جعلني أرفع حاجبي استنكاراً.

لكن الحق يقال، جودة الطعام مذهلة. الخضروات لها طعم حقيقي، ليس كالبلاستيك الذي نأكله في المدن الكبرى. نصيحة أخوية: ابتعد عن المطاعم التي تضع صوراً للطعام بالخارج. اتبع كبار السن المحليين، أينما جلسوا، هناك الكنز.

شواطئ كساميل والزحام الذي لا يطاق

وصلت إلى كساميل. يا إلهي، المياه فيروزية بشكل لا يصدق، كأن شخصاً سكب صبغة زرقاء فيها. لكن الجانب المظلم؟ المظلات ملتصقة ببعضها البعض لدرجة أنني كنت أسمع أنفاس السائح الذي بجانبي. شعرت باختناق في قلب هذا الجمال.

أردت لحظة سكينة، وجدت صخباً وموسيقى "تكنو" لا تناسب هدوء البحر. قفزت في الماء، كان بارداً لدرجة أنها أنستني غضبي من الزحام. في تلك اللحظة، وأنا أطفو وأنظر إلى السماء، شعرت بسلام غريب. البحر لا يهتم بعدد السياح، هو فقط موجود. حسب مجلة ناشونال جيوغرافيك، فإن هذه المنطقة مهددة بالنمو السياحي السريع، وأنا رأيت ذلك بعيني.

خبايا جيرو كاستر ودرجها الذي لا ينتهي

بعد البحر، قررت الهروب إلى الجبال، إلى "جيرو كاستر". مدينة حجرية بالكامل. الجمال هناك متعب. صعود المنحدرات في درجة حرارة 38 مئوية جعلني ألعن اليوم الذي قررت فيه ممارسة رياضة المشي. كنت أتصبب عرقاً وشعري أصبح فوضى عارمة.

لكن حين دخلت القلعة القديمة، شعرت ببرودة الحجر والتاريخ. هناك هيبة لا تجدها في الشواطئ. جلست على سور قديم، أراقب الغروب وهو يصب لونه البرتقالي على السقوف الحجرية. كان هناك طفل صغير يركض بكرة قديمة، وصوت أذان بعيد يمتزج مع أجراس الكنائس. لحظة متناغمة جداً، جعلتني أتصالح مع تعب اليوم كله.

المواصلات في ألبانيا ومغامرة "الفورغون"

إذا كنت تمتلك أعصاباً من حديد، جرب حافلاتهم الصغيرة (الفورغون). لا توجد مواعيد ثابتة. تنطلق الحافلة عندما تمتلئ. جلست لمدة ساعة أنتظر، وسط رائحة وقود قوية وسيدة تحمل سلة مليئة بالبيض.

كنت محبطاً، ثم بدأ الرجل الذي بجانبي بتقسيم خبزه معي رغم أنه لا يعرفني. في ألبانيا، الناس هم البوصلة. قد تكون البنية التحتية متهالكة، لكن كرمهم يجعلك تخجل من تذمرك التافه حول تأخر حافلة. السفر ليس مجرد صور "انستغرامية"، بل هو هذا الصبر الجميل وسط الفوضى.

هل ألبانيا آمنة للمسافر العربي؟

هذا السؤال يطرحه الكثيرون. بصراحة، شعرت بأمان أكثر من شوارع لندن في الليل. المشي في تيرانا الساعة الثانية صباحاً عادي جداً. نعم، هناك نظرات فضول، لكنها ليست عدائية. هي نظرات "ما الذي جاء بك إلى هنا؟".

الاستقرار الذهني الذي شعرت به في القرى الشمالية مثل "ثيث" لا يوصف. هناك، الوقت يتوقف. لا إنترنت قوي، لا ضجيج، فقط جبال ألب ألبانية شاهقة تجعلك تشعر كم أنت صغير في هذا الكون. القبول التام لكل المنغصات يأتي عندما تدرك أنك ضيف على هذه الأرض، ولست مالكاً لها.


هل تفكر في زيارة ألبانيا قريباً؟ إذا كنت تبحث عن المثالية، اذهب إلى منتجع في أنطاليا. أما إذا كنت تريد مغامرة حقيقية، بملابس متسخة قليلاً وقلب ممتلئ بالحكايات، فاحزم حقيبتك الآن.

ما رأيك، هل تفضل الوجهات المنظمة جداً أم التي تشبه ألبانيا في عفويتها؟ دعنا نتحدث في التعليقات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليلك الشامل لزيارة مراكش 2026: سحر "المدينة الحمراء" بين الحقيقة والخيال

دليل السفر إلى ألبانيا 2026: هل تستحق "مالديف أوروبا" كل هذا الضجيج